الشيخ محمد رشيد رضا
238
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 161 ) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 162 ) دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 163 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 164 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 165 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ؟ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 166 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ قد ختم اللّه تعالى هذه السورة بهذه الآيات الكريمة الجامعة فكانت خير الخواتيم في براعة المقطع . ذلك بأننا بينا في مواضع من تفسيرها أنها أجمع السور لأصول الدين وإقامة الحجج عليها ودفع الشبه عنها ، ولابطال عقائد الشرك وتقاليده وخرافات أهله ، وهذه الخاتمة مناسبة لجملة السورة في أسلوبها ومعانيها . ذلك بأنه كان مما امتازت به السورة كثرة بدء الآيات فيها بخطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بكلمة « قل » لأنها لتبليغ الدعوة ، كما كثر فيها حكاية أقوال أهل الشرك والكفر مبدوأة بكلمة ( وقالوا ) مع التعقيب عليها بكشف الشبهة وإقامة الحجة - ترى بعد هذا وذاك في آخر العشر الأول وأول العشر الثاني منها - فجاءت هذه الخاتمة بالامر الأخير له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن يقول لهم القول الجامع لجملة ما قبله ، وهو أن ما فصل في السورة هو صراط اللّه المستقيم ، ودينه القيم الذي هو ملة إبراهيم ، دون ما يدعيه العرب المشركون ، وأهل الكتاب المحرفون ، وأنه عليه صلوات اللّه وسلامه إنما يدعو اليه وهو معتصم به قولا وعملا وإيمانا وتسليما على أكمل وجهه ، فهو أول المسلمين ، وأخلص الموحدين ، وأخشع العابدين ، بما جاء به من تجديد الدين وإكماله ، بعد